عَرَضَ يُوفال نُوح هَراري أحداثَ التَّاريخِ الكُبرى في كتابِه “العاقل: تاريخٌ مُختصرٌ للنوعِ البشريّ”، ابتداءً من ظهورِ الطّاقةِ والمادّةِ وتكوُّنِ الأرضِ، مرورًا بالثورةِ الذهنيَّةِ قبلَ 70,000 سنةٍ، وظهورِ اللغةِ المحليَّةِ وبدايةِ التَّاريخِ، ثُمَّ الثورةِ الزراعيَّةِ منذُ 12,000 سنةً قبلَ الميلادِ، وانتقالًا إلى الثورةِ العلميَّةِ قبلَ 500 سنةٍ، ومنها إلى الثورةِ الصناعيَّةِ في حدودِ 200 سنةٍ من الآن.
تساءلَ يُوفال في كتابِه عن الأمرِ المُميَّزِ في لغةِ العقلاءِ – يقصدُ بذلكَ البشرَ – الذي مَكَّنهم من غزوِ العالمِ والزّحفِ إلى كلِّ بُقعةٍ على وجهِ الأرضِ؟
وأجابَ أنَّ ذلكَ ليسَ بسببِ أنَّ لغةَ الإنسانِ هي اللغةُ الأولى؛ لأنَّ كلَّ حيوانٍ لديهِ نوعٌ من اللغةِ، حتى النَّملُ والنَّحلُ، ولم تكنْ لغةُ العقلاءِ أيضًا اللغةَ الصوتيَّةَ الأولى؛ فكثيرٌ من الحيواناتِ، بما فيها القِرَدةُ والحيتانُ والفيلةُ، لديها لغةٌ صوتيَّةٌ، واتِّفاقاتٌ لغويَّةٌ في حالاتِ التحذيرِ ولَفْتِ الانتباهِ إلى المخاطرِ.
ويستطيعُ الببَّغاءُ أن يقولَ أيَّ شيءٍ يمكنُ لآلبرت أينشتاين قولُه، مثلما لديه القدرةُ على محاكاةِ أصواتِ رنَّاتِ الهواتفِ واصطفاقِ الأبوابِ وعويلِ صفَّاراتِ الإنذارِ. وأيًّا كانتِ الميزةُ التي يتفوَّقُ بها أينشتاين على الببّغاءِ فهي ليستْ صوتيَّةً، فما هو إذًا الأمرُ المُميَّزُ في لغتِنا؟
تتمحورُ الإجابةُ الأكثرُ شُيوعًا حولَ أنَّ لغتَنا مُطاوِعةٌ بشكلٍ مُذهلٍ؛ إذ نستطيعُ أن نربطَ عددًا من الأصواتِ والإشاراتِ في عددٍ لا نهائيٍّ من الجُمَلِ، وبمعانٍ مختلفةٍ؛ ولذا نستطيعُ أن نستوعبَ كميَّةً ضخمةً من المعلوماتِ عن العالمِ من حولِنا ونُخَزِّنَها ونتبادلَها.
يستطيعُ القِردُ الأخضرُ أن يهتفَ بأصحابِه: “احذروا، هناكَ أسدٌ”، لكنَّ الإنسانَ الحديثَ يُمكنُه أن يُخبرَ أصدقاءَه أنَّهُ في هذا الصباحِ شاهدَ، قُربَ انعطافةِ النَّهرِ، أسدًا يتعقَّبُ قطيعًا من الثيرانِ، ثم يُمكنُه أن يصفَ المكانَ بالضبطِ، مُفصِّلًا الدُّروبَ المختلفةَ المُوصِلةَ إلى المنطقةِ.
بهذه المعلوماتِ يستطيعُ أصدقاؤه أن يُفكِّروا معًا، ويتناقشوا: أَيَجبُ عليهم أن يقتربوا من النَّهرِ؟ ويُطارِدوا الأسدَ؟ ويصطادوا ثيرانَ البِيسون؟
لقد سعى الإنسانُ منذُ وجودِه على هذه الأرضِ، وخلالَ مراحلِ الثوراتِ التي مرَّتْ بها الإنسانيَّةُ التي ذُكِرتْ أعلاهُ، إلى تكوينِ جماعاتٍ تُوفِّرُ له الحمايةَ والشعورَ بالأمانِ، واحتاجَ إلى وسيلةٍ تُحقِّقُ له مُبتغاه؛ فاخترعَ اللغةَ، بدءًا باختراعِ الأصواتِ للدلالةِ على الأشياءِ الموجودةِ في الطبيعةِ من جبالٍ وأنهارٍ وبحارٍ وصخورٍ وحيواناتٍ ونباتاتٍ، وختامًا باختراعِ الكلماتِ والجُمَلِ للتعبيرِ عن أفعالٍ وسلوكاتٍ وأحداثٍ، وانتهاءً باختراعِ النصوصِ للتعبيرِ عن الأفكارِ والمشاعرِ والعلومِ.
ومع مزيدٍ من البشرِ، زادتِ اللغاتُ وكثرتْ، بعضُها استمرَّ، وبعضُها اندثرَ. فما السِّرُّ وراءَ اندثارِ بعضِها وبقاءِ البعضِ الآخرِ؟
مآبُ الكلامِ من قولِنا:
لقد أثبتَ التَّاريخُ أنَّ اللغةَ تنشأُ بين الجماعاتِ، ولا تنشأُ بالفردانيَّةِ، مثلُها في ذلكَ مثلُ أيِّ نظامٍ آخرَ غيرِ لغويٍّ، وأنَّ لكلِّ قومٍ لغةً يتفاهمونَ بها ويتواصلونَ؛ من أجلِ البقاءِ والعيشِ بسلامٍ، وتبادلِ المنافعِ، وتحقيقِ المصالحِ المشتركةِ، وتأسيسِ المجتمعِ المحليِّ الذي يُريدونَه.
وتذكرُ الدراساتُ أنَّ هناكَ ما لا يقلُّ عن 3000 لغةٍ ما زالتْ شفويَّةً، وفي طريقِها إلى الاندثارِ؛ لأنَّ قومَ اللغةِ استَطابوا أن تكونَ بينهم من دونِ غيرِهم، واستأثروا بها، مُعبِّرينَ عن منطلقاتِ الإنسانِ الغابرِ قبلَ الثورةِ الذهنيَّةِ في تسويرِ لغتِه، وأدَّى بهم هذا الفكرُ إلى دائرةٍ مُغلقةٍ لم تتجاوزْ بها لغتُهم حدودَ المحليَّةِ وأسوارَ المحيطِ الذي يعيشونَ فيه، إلى عالمِ اللغاتِ، وأضاعوا عليها فرصةَ أن تُوصَفَ بأنَّها لغةٌ عالميَّةٌ.
فإذا كانتِ الكتابةُ على الجدرانِ أو الألواحِ أو جلودِ الحيواناتِ أو أيّ وسيلةٍ أخرى قد حفظتْ لغاتٍ كثيرةً، ومنها اللغةُ العربيَّةُ، فإنَّ ذلكَ يدعونا إلى التأليفِ والكتابةِ مُطلقًا، ومراعاةِ صِحَّةِ كتابةِ الحروفِ والكلماتِ وخُلوِّها من الأغلاطِ الشائعةِ؛ فالعلمُ صيدٌ والكتابةُ قيدٌ.
وفي ضوءِ الكتاباتِ العقليَّةِ التي تظهرُ بين الفينةِ والأخرى عن تَشَكُّلِ اللغاتِ، يفرضُ سؤالٌ نفسَه بجدارةٍ:
ما مستقبلُ اللغةِ العربيَّةِ في ضوءِ قراءةِ الماضي الغابرِ والحاضرِ العابرِ؟
ظلَّتِ اللغةُ العربيَّةُ شفويَّةً تتناقلُ بين الألسِنةِ في أشكالٍ مختلفةٍ تصاعدتْ لتُكوِّنَ أدبًا رفيعًا وعلومًا سامقةً، وتتحوَّلَ بذلكَ إلى لغةٍ مكتوبةٍ مُنقَّطةٍ ومُعْرَبةٍ ومُشكَّلةٍ في الدَّواوينِ بين الدولِ والرَّسائلِ بين الإخوةِ.
ومن هنا نشأتِ المسالكُ والمناهجُ في مساراتِ تعليمِها بين اتجاهينِ: المشرقِ العربيِّ والمغربِ العربيِّ، وفي كلِّ ذلكَ خيرٌ.
هذا الانتقالُ من السَّماعِ والمشافهةِ إلى التَّحريرِ المكتوبِ أفقدَها جزءًا من حريتِها في التنقُّلِ بين الشِّفاهِ والآذانِ، وأعطاها – في الوقتِ ذاتهِ – جزءًا آخرَ من أشكالِ الحياةِ؛ لأنَّها بذلكَ ضَمِنَتِ الاستمرارَ، وأصبحتْ – بالكتابةِ مُطلقًا، وتدوينِ القرآنِ الكريمِ خاصةً – من اللغاتِ الباقيةِ لا البائدةِ. كما قال تعالى:
“إنّا نحنُ نزَّلنا الذِّكرَ وإنَّا لهُ لحافظون”.
أصبحتِ اللغةُ العربيَّةُ مُستودَعَ الحضاراتِ، وحاضنةَ ثقافاتِها المختلفةِ، ولُغاتها المتعدِّدةِ.
يليقُ هذا الوصفُ باللغةِ العربيَّةِ؛ لأنَّه يُلخِّصُ حالَها، وعواملَ تشكُّلِها عبرَ الأزمنةِ السَّاحقةِ، والفتراتِ الغابرةِ منذُ آلافِ السنينَ؛ الأمرُ الذي مَنَحَها الفرصةَ في الأخذِ والعطاءِ من قواميسِ اللغاتِ الأخرى.
لقد استطاعَ العربُ الأوائلُ إحداثَ التواصلِ الحضاريِّ مع اللغاتِ الأُخَرِ، وانتقلَ الكثيرُ من الكلماتِ إليها بفضلِ انفتاحِها واستيعابِها للأصواتِ والكلماتِ اللغويَّةِ المختلفةِ، وقد غادرتْ – في الوقتِ نفسِه – كلماتٌ أُخَرٌمن معجمِها الخَصْبِ لترسو في معجمِ لغاتٍ أُخرى صديقةٍ، تلكَ الصّداقةُ التي كانت بينَ روحِ اللغاتِ من دونِ أصحابِها بالضرورةِ.
والعجيبُ أنَّ التَّعاطيَ اللغويَّ الثنائيَّ أو الثلاثيَّ أو المتعدِّدَ في أحداثِ قصَّةِ ذلكَ الحوارِ اللغويِّ بين كلماتِ العربيَّةِ وكلماتِ غيرِها من اللغاتِ يُذهلُ العقلَ، مثل: كلمةِ “الصُّفّة”، وكلمةِ “نَسَمة”، وكلمةِ “الموز”، وكلمةِ “الواحة”، وغيرها الكثيرُ من الكلماتِ.
وأمَّا عن موطنِ العربِ الأصليِّ، ومواطنِ الحفرياتِ واللُّقى الأثريّةِ والمكتشفاتِ، فقدِ اخْتُلِفَ عليه، وفي ظنِّي أنَّ هذا الاختلافَ رحمةٌ تُحرّرُ لغتَنا من قيودٍ واهيةٍ وشباكٍ ذابلةٍ.
كانتِ اللغةُ العربيّةُ قديمًا تُنقَلُ بالسَّماعِ والمشافهةِ كأيِّ لغةٍ أُخرى نشأتْ بين قومٍ اخترعوها للتواصلِ والتفاهمِ والعيشِ على هذه البسيطةِ، وأصبحتْ اليومَ من اللغاتِ العالميَّةِ الستِّ في منظمةِ الأممِ المتَّحدةِ؛ أي إنَّها لُغَةٌ حَيَّةٌ لم تمتْ.
ويبدو من قراءةِ الماضي الغابرِ أنَّ الكتابةَ حفظتْها، وأنَّ التّفريطَ في الكتابةِ بها قد يُعرِّضُها إلى الاعتلالِ، ويُصيبُها بالمرضِ، وهو أمرٌ يجبُ الالتفاتُ إليه قبلَ أن نجدَ لغتَنا تنكمشُ على أهلِها ويتمدَّدون بغيرِها من دونِ وعيٍ.
ويبدو كذلك أنَّ زيادةَ أعدادِ الناطقينَ بها يجب أنْ يكونَ أمرًا إستراتيجيًّا لتأكيدِ الاهتمامِ بها، وهو من سيحفظُها للمستقبلِ البشريِّ القادمِ في ضوءِ الثوراتِ التي تُكابدُها البشريَّةُ في كلِّ زمنٍ وعصرٍ، ذلكَ المستقبلُ الذي لن يشهدَه جيلُ اليومِ، ويكفيهم أن يُسهِموا في وضعِ بصمةٍ حضاريَّةٍ بأنَّهم كانوا من رُوَّادِ صناعةِ مجدِ العربيَّةِ القادمِ.
الكاتبة: سُمَيَّة سليمان بن علي السُّليمانيَّة
خبيرةُ اللغةِ العربيَّةِ في مركزِ التَّرجمةِ والتَّعريبِ والاهتمامِ باللغةِ العربيَّةِ

