abstract-arabic-calligraphy-letter-of-yaa-or-y-in-many-styles-vector

خَصَائِصُ مَكَّنَتِ العَرَبِيَّةَ مِنَ العَالَمِيَّةِ

فَضْلُ العربيَّةِ عظيمٌ، وفيه أقوالٌ كثيرةٌ، وثناءٌ مُنْقَطِعُ النَّظيرِ مِنَ العَرَبِ ومِنْ غيرِهم، نَذْكُرُ مِنْ ذلك مَقُولَةَ أبي العَلاءِ بنِ عَمرو:

“ما اِنْتَهى إليكم مِمَّا قالَتِ العَرَبُ إلَّا أَقَلَّهُ، ولَوْ جاءَكم وافِرًا، لَجاءَكم عِلْمٌ وشِعْرٌ كثيرٌ”.

ويقولُ جوستاف لوبون، صاحبُ كتابِ حضارةِ الغربِ:

“كلَّما تَعَمَّقَ المرءُ في دِراسةِ العربيَّةِ، تَجَلَّتْ له أمورٌ جديدةٌ، واتَّسَعَتْ أمامَه الآفاقُ، وثَبَتَ له أنَّ القُرونَ الوُسطى لم تَعْرِفِ الأُممَ القديمةَ إلَّا بواسطةِ العربِ”.

تُعَدُّ اللُّغةُ العربيَّةُ مِن أطوَلِ اللُّغاتِ عمرًا، واللُّغةَ الوحيدةَ الَّتي حافَظَتْ على بِنْيَتِها، وكُتِبَ لها البقاءُ دونَ تَحريفٍ قبلَ الإسلامِ، ثمَّ زادَها اللهُ كرامةً وعِزَّةً بأنِ اختارَها لُغةً لكتابِه العزيزِ، وحُفِظَتْ بحِفظِه، ثُمَّ عُنِيَ بها أهلُها؛ فليستْ هناكَ لُغةٌ نالَتْ مِنَ الرعايةِ والاهتمامِ والبحثِ مثلَما نالَتِ العربيَّةُ، وليستْ هناكَ لُغةٌ تَمْلِكُ التُّراثَ الَّذي تَمْلِكُه اللُّغةُ العربيَّةُ.

ويرى المستشرقُ الإيطاليُّ (جويدي):

“أنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ آيةٌ للتعبيرِ عنِ الأفكارِ، فحروفُها تميَّزتْ بانفرادِها بحروفٍ لا توجدُ في اللُّغاتِ الأُخرى، كَالضَّادِ، والظَّاءِ، والعَيْنِ، والغَيْنِ، والحاءِ، والطَّاءِ، والقافِ، وبثباتِ الحروفِ العربيَّةِ الأصليَّةِ، وبحركةِ البناءِ في الحرفِ الواحدِ بينَ المعنيَيْنِ، وبالعلاقةِ بينَ الحرفِ والمعنَى الَّذي يُشيرُ إليهِ، أمَّا مفرداتُها فتميَّزتْ بالمعنَى، والاتِّساعِ، والتكاثُرِ، والتوليدِ، وبمنطقيَّتِها، ودقَّةِ تعبيرِها، والدقَّةِ في الدَّلالةِ والإيجازِ، والتعبيرِ عنِ المعاني”.

والعربيَّةُ بلا جِدالٍ قدْ عَمَّتْ أنحاءَ واسعةً مِنَ العالَمِ، فلم تَكُنْ يومًا مُنغلقةً على نفسِها، فقد نَقَلَتِ العلومَ، وحَفِظَتِ التُّراثَ، وحَصَّنَتِ الثَّقافةَ، فأَغْنَتِ البشريَّةَ، وطَوَّرَتْ مَسارَها، حتَّى عُدَّتْ جسرًا للتَّواصُلِ بينَ الحضاراتِ، بوصفِها حضارةَ الأَمْسِ واليومِ والغَدِ.

تَتَمَتَّعُ اللُّغةُ العربيَّةُ بِخَصائصَ تُعينُها على التَّجاوُبِ المُرِنِ والاِمْتِصاصِ السَّريعِ والإنتاجِ المَرْضِيِّ لألفاظِ اللُّغاتِ الأُخْرَى. والألفاظُ هي مادَّةُ الحِوارِ الإنسانيِّ، ومِعْوَلُ البناءِ الاجتماعيِّ.

ولعلَّ أبرزَ هذه الخَصائصِ هو الاِشْتِقاقُ، وهو صَوْغُ كلمةٍ مِن أُخْرَى على حَسَبِ قوانينِ الصَّرْفِ.

فاشتقَّ العربُ من الفلسفةِ مثلًا كلماتٍ: الفَيْلَسوفُ، والتَّفْسُلفُ، وفَلْسَفَ، وتَفَلْسَفَ. واشتقُّوا الطَّزَاجةَ من الطَّازِجِ، وهي الطَّراوةُ، والجِدَّةُ، والنَّقاءُ.

ونذكرُ على سبيلِ المقارنةِ اللَّطيفةِ بينَ اللُّغةِ العربيَّةِ وغيرها مثالًا بسيطًا؛ فكلمةُ “tall” مثلًا في الإنجليزيَّةِ تَعني “طويلٌ”، وبينَ الكلمتَيْنِ تَشابُهٌ من حيثُ أصواتُهما ومعناهما، ولكنَّ طويلًا العربيَّةَ يُشتقُّ منها كلماتٌ عديدةٌ، منها: يَطُولُ، وطائِلٌ، وطائِلَةٌ، وطالَ، وأطالَ، واستطالَ، وتطَّوَلَ، وتطاوَلَ، وطَوَّلَ، وإطالةٌ، واستطالةٌ، وطِوالٌ. أمَّا “tall” الإنجليزيَّةُ، فلا يُشتقُّ منها إلَّا بعضُ الكلماتِ. وكذلك كلمةُ “good” الإنجليزيَّةُ، وتعني “جَيِّدٌ” باللُّغةِ العربيَّةِ.

ومِن خصائصِ اللُّغةِ: الاِتِّساعُ في استخدامِ المولَّدِ مِنَ الألفاظِ، والمولَّدُ مِنَ الكلامِ هو كلُّ لفظٍ كانَ عربيَّ الأصلِ، ثمَّ تغيَّرَ في الاستعمالِ، وهو اللفظُ العربيُّ الَّذي يَستعملُه النَّاسُ بعدَ عصرِ الرِّوايةِ.

وعصرُ الرِّوايةِ كما قرَّرَه اللغويُّونَ والنُّحاةُ، يَقْضي بتوقيفِ الاِعتمادِ على لغةِ الشُّعراءِ عندَ نهايةِ العصرِ الأُمويِّ وبدايةِ العصرِ العباسيِّ.

ومِنَ الخصائصِ كذلك التعريبُ؛ والتعريبُ هو تطويعُ الكلمةِ غيرِ العربيَّةِ لنظامِ النُّطقِ العربيِّ، حيثُ تَنْقادُ صوتيًّا وصرفيًّا لنظامِ المقطعِ الصوتيِّ.

أمَّا الإعرابُ فهو مَزيَّةُ العربيَّةِ الفريدةُ، وهو السَّبيلُ الواضحُ إلى فَهْمِ معاني الكلامِ وأساليبِه، وتحليلِ تراكيبِ الجُملِ، وإدراكِ العلاقةِ بينَ ألفاظِها، فهو مِن أشدِّ خصائصِ العربيَّةِ ظُهورًا.

لا شَكَّ أنَّ العربَ وَرِثوا لغتَهم مُعْرَبَةً، فالإعرابُ ساميُّ الأصلِ، فكانتِ الأجيالُ مِنَ العربِ المتقدِّمينَ ينطقونَ بالإعرابِ بمقتضى الفطرةِ والسليقةِ، وتجري على ألسنتِهم في بواديهم معرَبةً فصيحةً لا شائبةَ فيها، فلم تَكُنِ العربيَّةُ جامدةً، بل تميَّزتْ بالحيويَّةِ وقابليَّةِ التصرُّفِ في الكَلِمِ مِن تقديمٍ وتأخيرٍ، وكانتِ الحركاتُ الإعرابيَّةُ على آخرِ الكلامِ دليلًا على الإعرابِ الَّذي يُفصِحُ عمَّا يُريدُ، دونَ أنْ يُحاولوا تعليلَ ذلك بغيرِ كونِها لغتَهم.

وقد تميَّزتِ اللُّغةُ العربيَّةُ بِحُسْنِ الجِوارِ معَ الحضاراتِ المختلفةِ، حيثُ رَأَيْناها تُقْرِضُ مِن ألفاظِها وتَقْتَرِضُ مِن ألفاظِ اللُّغاتِ الأُخْرَى؛ وذلكَ التَّقارُضُ في مجالِ الألفاظِ أمرٌ طبيعيٌّ في سُنَنِ اللُّغاتِ.

وفي شِعرِ العصرِ الجاهليِّ أمثلةٌ عديدةٌ على ذلك؛ فقد حَوَى ديوانُ عنترةَ كلماتٍ غيرَ عربيَّةٍ في أصلِها؛ فمِمَّا جاءَ عن الفارسيَّةِ ثلاثَ عشرةَ كلمةً، ومِمَّا جاءَ عن اليونانيَّةِ سبعَ كلماتٍ، ومِمَّا جاءَ عن السَّنسكريتيَّةِ كلمتَيْنِ، وعن الهيروغليفيَّةِ كلمةً واحدةً.

وتتميَّزُ اللُّغةُ العربيَّةُ بِالدِّقَّةِ في المعنَى، والثَّراءِ في الدَّلالةِ، وغيابِ التَّرادُفِ، وتنوُّعِ الأبنيةِ وتعدُّدِها، وتوافُقِ المنطوقِ معَ المكتوبِ، وغزارةِ مفرداتِها، حيثُ تجاوزَ عددُ كلماتِها اثنَي عشرَ مليونَ كلمةٍ، ولها ستَّةَ عشرَ ألفَ جذرٍ لغويٍّ، وهو ما لا يتوافرُ لغيرِها مِن لُغاتِ الأُممِ الأُخْرَى.

مَآبُ الكلامِ أنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ مِن أقدمِ اللُّغاتِ منذُ أربعةَ عشرَ قرنًا، وأقربُها إلى اللُّغةِ السَّاميَّةِ الأُمِّ؛ لأنَّها احتفَظَتْ بخصائصِها ونظامِها الصَّوتيِّ المتطوِّرِ مِن دونِ اللُّغاتِ الأُخْرَى.

وهي أَغنَى لُغاتِ العالَمِ وأوسعُها اِتِّساعًا؛ إذْ هي لُغةٌ جامعةٌ مانعةٌ غنيَّةٌ عمَّا عداها، فلها مِن أُصولِها وقواعدِها ومعجمِها ما يُتيحُ لها أنْ تكونَ أداةً للتَّواصُلِ بينَ النَّاسِ، مِن دونِ أنْ تفتقِرَ إلى أصلٍ أو قاعدةٍ مِن لُغةٍ أُخرى.

وما مِن شَكٍّ في أنَّ اللُّغةَ الَّتي تمتلكُ هذه المقوِّماتِ تستطيعُ التَّفوُّقَ على غيرِها مِنَ اللُّغاتِ، وأنْ تَرْتقيَ بمُجتمعِها، وتُرَقِّيَ مستوى قدراتِه اللُّغويَّةِ ومَلَكاتِه ومهاراتِه، وبإمكانِها حَمْلُ رايةِ العلومِ والحضاراتِ.

الكاتبة: سُمَيَّة سليمان بن علي السُّليمانيَّة

خبيرةُ اللغةِ العربيَّةِ في مركزِ التَّرجمةِ والتَّعريبِ والاهتمامِ باللغةِ العربيَّةِ

Comments are closed.